التاريخ : 6/6/1435

آراء ومقالات

العلامة / عبدالرحمن بن ناصر البراك

واحسرتا على المبتعثين من البنات والبنين!

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وصحبه، أما بعد: فإننا نسمع في هذه الأيام اندفاعا عنيفا بلا حياء من كثير من الجامعات في فرض ابتعاث المعيدين والمعيدات والمحاضرين والمحاضرات، لإكمال دراستهم في الدول الكافرة، وعلى الخصوص الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ومعلوم أن باب الابتعاث بوجه عام هو من أوسع أبواب التغريب وأخطرها على الأمة، ومن أعظم أسباب التغيير والتأثير على عقائد المبتعثين وأخلاقهم، وإن الدعوة إلى الابتعاث والترغيب فيه ـ فضلا عن فرضه ـ جنايةٌ على الأمة، وعلى المبتعثين أنفسهم، بتعريضهم للفتنة في دينهم في عقائدهم وأخلاقهم، ولم ينج من التورط في هذا الطريق جامعة من جامعات المملكة حتى الإسلامية التي يجب أن يكون لها خصوصية وتميُّزٌ عن غيرها، لا أن تدخل السباق إلى موارد الغرب الآسنة، وتزج بشباب  الأمة بنين وبنات في المجتمعات التي لا وزن للطهر والعفاف فيها، تلك المجتمعات البائسة الفاقدة لأسباب الشرف والفضيلة، الضالة عن هدى الله، فهم في غيهم يعمهون، وفي ريبهم يترددون.

      هذا؛ ومن الذلة والحسرة أن يجلس هؤلاء الشباب المبتعثون بين يدي أساتذتهم الذين هم أعداء لهم ولأمتهم وملتهم من طوائف الكفر؛ من اليهود والنصارى والملحدين، يجلسون بين أيديهم تلاميذ، معظِّمين لهم مبجِّلين، شأنَ التلميذ مع أستاذه، وأقل أحوالهم أن يتلطفوا معهم، ويظهروا الإعجاب بهم؛ لأن مستقبلهم إذا عادوا إلى بلادهم مرتبطٌ بتقارير أولئك الأساتذة عنهم، وتقدير نتائجهم، وهنالك تضمحلُّ عقيدة البراء من الكافرين، أو تضعف كثيرا، وياويل الطالب إن أظهر الاعتزاز بالإسلام، وأعلن أنه وحده الدين الحق، وإن بدا منه شيء من ذلك فسيخسر الصفقة، ويعود بلا نتيجة مشرفة عند الذين ابتعثوه ليأتي بشهادة، وسيكون من الصنف غير المرغوب فيه.

    ومن أسباب حسرة الأمة وحسرة المبتعثين الجادين أن معظم التخصصات العلمية التي يُمَكَّن منها المبتعثون ليست من التخصصات النادرة التي يكون لها أثر في تقدم أمتهم تقنيا؛ فإن هذا النوع من التخصص لا يُمَكَّن منه أحد من المبتعثين، اللهم إلا من طمع فيه أولئك الأعداء أن يكون في بلاده عميلا لهم، وصادقا في ولائهم. فيالله ما أعظم مصيبة الأمة في شبابها الذين هم جيل مستقبلها، إذا عادوا وقد تربوا على عين أعدائهم، وعاشوا سنوات أو سنين في تلك المجتمعات، وهم مبهورون من مظاهر الحياة عندهم، إذا وازنوا بينها وبين مظاهر الحياة في بلاد المسلمين، فلسان حالهم أو مقالهم يقول: ياليت بلادنا تكون مثلهم، أو ليتنا لا نفارقهم، وهم في ذلك غير مبصرين لعيوب تلك المجتمعات السلوكية والاجتماعية والفكرية، وعيوب حضارتهم المادية، ولو أبصروها بعين العقل لأدركوا أنهم في غاية الانحطاط في العقائد والتصورات وفي السلوك والأخلاق، وأدركوا صدق ما وصف الله به الكافرين في مثل قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، وقوله: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، وقوله عز وجل: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، أَوَ ليست تلك الأمم الكافرة الضالة لا تعرف مبدأ ولا معادا، ولا تعرف ما خلقت له، وليس لها غاية في هذه الحياة إلا المتاع بالأكل والشرب والجنس، حتى بلغ الأمر بهم أن شرعوا الزواج بالمثل، وهذا غاية السقوط البهيمي. أما طواغيتهم من الساسة فغايتهم الشهرة والتسلط بظلم الأمم الضعيفة وانتهاب خيراتها، وإشعال الحروب والفتن بينهم.

      على أننا لا ننكر أن في المبتعثين ذوي عقول وبصيرة وإيمان وتقوى، يذهبون ويعودون وهم كارهون لتلك المجتمعات، ولكنهم اضطروا لهذه الرحلة فنفوسهم الكبيرة تأبى الخنوع لأحد من أولئك المستكبرين، فهم لا يستخفُون بانتسابهم إلى الإسلام، ولا يجاملون على حساب دينهم، وهم مع ذلك جادون في دراستهم التي ارتبطوا بها، يعدون الليالي والأيام ليعودوا، وفي مدة مقامهم يقومون بالنصح لزملائهم المبتعثين، ويرشدونهم ويحذرونهم، وكذلك يجعلون الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام أعظم مهماتهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، فنسأل الله أن يثبتنا وإياهم على الحق، ويزيدهم إيمانا وبصيرة في الدين، وأن ينفع به، وأن يكثرهم ويحفظهم من شرور أعدائهم.

     هذا عن الشباب الأبناء، أما البنات فالحديث عن ابتعاثهن لونٌ آخر؛ لأن ابتعاثهن للدراسة ما كان يخطر ببال العلماء والعقلاء وأهل الغيرة في هذه البلاد! ومعلوم أن الذين أفتوا من العلماء بتحريم ابتعاث الطلاب إلا في الضرورة القصوى، لو عرض عليهم ابتعاث البنات لأفتوا بتحريمه دون استثناء؛ لما هو معلوم من حال المرأة من حيث ضعفها والطمع فيها، وسرعة تأثرها، وقوة تأثيرها في إفساد المجتمع إذا فسدت، لذلك كانت المرأة هي الأداة المثلى في يد المحتل لتغيير المجتمعات الإسلامية وتغريبها. إذن فمشروع ابتعاث المعيدات والمحاضرات أعظم جناية عليهن وعلى الأمة، يحمل وزره الذين أشاروا به، أو قرروه وأقروه، وأكبرهم جناية أولياء أمورهن الذين رضوا ووافقوا على ابتعاثهن، ولا ريب أن الذي يرضى بسفر ابنته أو أخته لتقيم سنين في المجتمعات الفاسدة اعتقاديا وأخلاقيا، ومع الزملاء والزميلات من الكفار والكافرات، لا ريب أن الذي يرضى بذلك فاقدٌ للغيره، وغاية ما يفعله بعض الأولياء من أجل المحافظة أن يرافقها في السفر، ثم يعود أدراجه، تاركا لعرضه للضياع هناك, هذا؛ ولو بقي معها لم يغن كثيرا؛ لأنه لا يمكن ارتباطه بها في غالب الأوقات.

   وبعد؛ فإن الجامعة التي اشتهر عنها فرض الابتعاث على جميع المعيدات هي جامعة الأميرة نورة، وقد امتنع من الابتعاث طائفة منهن، واتصل بي بعض أولياء أمورهن، يشكو من فرض الابتعاث عليهن، ويطلب الاتصال بالمسؤولين في هذا الشأن، فإعذاراً نقول: اتقوا الله أيها المسؤولون فإنكم بين يدي الله موقوفون ومسؤولون، وقد سبقت مني إليكم رسالة نشرت في تاريخ 22 ذي القعدة 1433ه، (ابتعاث البنات، أيكون المنكر فريضة؟!) وهذا نصها:

          ((أيها القائمون على التعليم العالي من الوزير ومن بعده من مديري الجامعات وغيرهم ممن له أثر في أمر ابتعاث البنات؛ نقول لكم: اتقوا الله في بنات المسلمين في هذه البلاد الطيبة المتميزة على سائر البلاد، اتقوا الله أن تعرضوهن للفتنة في دينهن وأعراضهن برميهن في أحضان الكفار والكافرات، ومن العجب أن يفرض هذا المنكر على بنات المسلمين فرضاً، وحاشا خادم الحرمين أن يرضى بإجبار من لا ترغب في الابتعاث، اتقوا الله فأنتم المتحملون لوزر فرض الابتعاث عليهن، وحيهلا بالأخوات الصالحات الرافضات للابتعاث في جامعة الأميرة نورة وغيرها، إن هذا الموقف منكن مشاركة في نصر دين الله في هذه البلاد، فاللهَ اللهَ في الثبات والصمود واتحاد الرأي والكلمة، ولو أدى ذلك إلى فصلكن، ولئن فعلوا ذلك لكان فضيحة عليهم، ووسام شرف لكن، وسيسجل ذلك التاريخ لكن وعليهن، ثبتكن الله، وأكثر من أمثالكن. والله يتولى الصالحين))أهـ.            

    هذا وفي أثناء كتابة هذا البيان نشرت صحيفة الجزيرة في يوم السبت 5/6/1435هـ صورة شائنة لاحتفال المبتعثين والمبتعثات في بريطانيا بتخرجهم، وأظهرت الصورة الخريجات وهن في المسيرة سافرات بكامل زينتهن، بحضور عدد من المسؤولين، فيالله! لقد عظم البلاء! واشتدت المحنة! واستفحل مشروع التغريب! فإلى المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

أملاه

عبد الرحمن بن ناصر البراك

عضو هيئة التدريس (سابقا) بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

6 جمادى الآخرة 1435هـ.

 

طباعة

3699  زائر

إرسال