عنوان الفتوى

فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك: قرأتُ في حاشية الشيخ محمد صالح الغُرسي على شرح جوهرة التوحيد (ص273)

رقم الفتوى  

6598

تاريخ الفتوى

19/11/1438 هـ -- 2017-08-12

السؤال

س: فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك: قرأتُ في حاشية الشيخ محمد صالح الغُرسي على شرح جوهرة التوحيد (ص273) في مبحث عنوانه: (معنى إنزال القرآن) قال فيه: "بل التحقيق أن المنزل اللفظ الدال على المعنى؛ فالمعنى منزل وموصل إلى أذهان المكلفين بإنزال اللفظ، وليس له إنزال مستقل عن إنزال اللفظ، كما يوهمه التعبير المنزل اللفظ والمعنى، نعم بالذات بالإنزال والإيصال إلى الأذهان هو المعنى؛ لأن المقصود بالذات إفادته، وهذا لا ينافي أنه تابع للفظ في الإنزال، من حيث إنه مدلول له، ومعنى الإنزال ـ كما قال إمام الحرمين في "الإرشاد" (ص130) والمحقق البَيَاضي في "إشارات المرام" (178) أن جبريل عليه السلام أدرك كلامه تعالى، ثم نزل إلى الأرض، وأفهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما فهمه من غير نقل لذات الكلام؛ لعدم انتقال الصفة، ولاستلزام الانتقال والانفكاك للنقصان، وبهذا يجاب عن استدلال المعتزلة بالآيات التي فيها الإنزال والنزول على حدوثه، قالوا: إن النزول عبارة عن الانتقال، وهو من صفات الحوادث"أهـ.
فهل هذا التقرير صحيح؟ وهل هذا المذهب الذي قرره هو مذهب السلف في كلام الله تعالى؟

الإجابة

فأجاب الشيخ عبد الرحمن البراك بما هذا نصه:
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، أما بعد: فما قرره الشيخ الفاضل محمد صالح الغرسي في كلام الله ليس هو مذهب السلف، بل هو مذهب الأشاعرة، وواضح من كلام الشيخ الغُرسي ـ وفقه الله ـ أنه أشعريٌّ، ومذهبُ الأشاعرة في كلام الله معروف، وهو أنه معنى نفسيٌّ قديم ليس بحرف ولا صوت؛ فلا يُسمع من الله، فجبريل لم يسمع من الله كلاما، وإنما أدرك المعنى النفسيَّ، وعبَّر عنه بلفظه، أو أن جبريل أفهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما فهمه من الله، فعبَّر عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بلفظه هو، كما هو مضمون ما نقله الغُرسي عن البَياضي الذي وصفه بالمحقق البَياضي، فآل الأمر إلى أن هذا القرآن الذي نسمعه ونكتبه ونقرؤه ليس كلام الله على الحقيقة؛ لأنه إما كلام جبريل، وإما كلام النبي صلى الله عليه وسلم تعبيرا عن المعنى النفسيِّ، وعلى كلٍّ من التقديرين هو عبارة عن ذلك المعنى النفسيِّ، وعلى كلٍّ من التقديرين هو مخلوق؛ لأنه إما كلام جبريل أو كلام محمد صلى الله عليه وسلم، فآل قول الأشاعرة الذي عبَّر عنه الشيخ الغُرسي وفقه الله، وعوَّل فيه على قول أبي المعالي والبَيَاضي، آل إلى قول المعتزلة أن هذا القرآن مخلوق، وما ذكره أبو المعالي والبَيَاضي وارتضاه الشيخ الغُرسي مما ادَّعوه لازما لنزول كلام الله وإنزاله من انتقال الصفة أو النقصان باطلٌ في العقل ضرورةً؛ لأمور:
أولها: أنه لا يقول عاقل: إنَّ نقل كلام المتكلم هو نقلٌ لصفة الكلام، سواء أريد بها القدرةُ على التكلُّم، أو التكلُّم الذي هو فعلٌ قائمٌ بالمتكلِّم، وإنما المنقول هو ما سمِعه وعلِمَه الناقلُ المبلِّغُ، فيبلِّغُه بصوته، كما سمعه دون زيادة ولا نقصان.
ثانيها: أنه لو كان الأمر كما قالوا: إن نقل كلام المتكلم يلزم منه نقلُ صفة المتكلم وسلبُه إياها؛ للزم أن كلَّ من نُقل كلامه على وجه التبليغ يصير غيرَ متكلم، وهذا باطل حسًّا وعقلًا، ونقول أيضا: إن المعاني التي دلَّت عليها ألفاظ القرآن إن كانت هي المعنى النفسي لزم من نزولها المحذور الذي ادعوه لازما من نزول الكلام (القرآن)، وإن كانت غيرَ المعنى النفسي لزم أن تكون مخلوقة، كما أن الألفاظ على قولهم مخلوقة، فيكون القرآن كلُّه مخلوقا ألفاظه ومعانيه، وهذا تحقيق مذهب المعتزلة.
ثالثها: أن ما زعموه من امتناع نزول كلام الله مبنيٌّ على أصلين باطلين:
أحدهما: أنه تعالى لا تقوم به الأفعال الاختيارية؛ كالمجيء والنزول والاستواء على العرش والتكلم والتكليم وغير ذلك مما يكون بمشيئته سبحانه وتعالى، وهذا الأصل أنتج لهم:
الأصل الثاني: وهو قولهم: إن كلام الله معنى نفسي قديم، ليس بحرف ولا صوت، ولا تتعلق به مشيئته تعالى، بل هو كحياته وعلمه، أي: صفةٌ ذاتيةٌ لا فعليةٌ.
وفيما قالوه من هذين الأصلين من لوازم النقص في حق الرب ما لا يخفى فساده على عاقل منصف؛ فإنه يتضمن تعجيز الرب؛ أي: نسبته إلى العجز عن فعل ما يشاء، وتشبيهه بالأخرس الذي تكون في نفسه معاني الكلام، ولا يستطيع أن يبين عنها إلا بالإشارة، هذا ومن المعلوم بضرورة العقل أن الكلام، أي: التكلم والبيان كمالٌ، وعدمه نقص، ولهذا ذكر الله من البرهان على بطلان إلاهية عجل بني إسرائيل أنه لا يرجع قولا، ولا يكلم أحدا، قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ)، وقال سبحانه: (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا).
ثم نعود إلى قول هؤلاء بامتناع نزول كلام الله لامتناع نقل الصفة، واستلزام ذلك نقصَ الموصوف، فنقول: إن أهل السنة القائلين بأن القرآن كلام الله حقيقة، كيفما تصرف مسموعا ومحفوظا ومقروءا ومكتوبا، كما بيَّن الله ذلك في الآيات، قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ)، وقال تعالى: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)، وقال سبحانه: (وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ)، وقال: (رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً).
نقول: إن أهل السنة لا يقول أحد منهم: إن صفة الله حلَّت في صدور الحافظين، أو قامت بلسان القارئين، أو حلَّت في الرَّق المكتوب فيه كلام الله؛ فإن صفة الله لا تقوم بغيره، بل صفةُ أي موصوف لا تقوم إلا به، لا تقوم بغيره.
ومما يوضح الأمر في هذا المقام أن للشيء الموجود أربعةَ أنواع من الوجود: وجود عينيٌّ، ووجود علميٌّ، ووجود بيانيٌّ أو لفظيٌّ، ووجود خّطِّيٌّ. وتطبيق ذلك في القرآن أن الوجود العينيَّ لكلام الله هو ما قام به تعالى عند تكلمه بالقرآن، والوجودُ العلميُّ هو ما في صدر الحافظ وعِلمِ المبلِّغ، والوجودُ البيانيُّ أو اللفظيُّ هو ما على لسان المبلِّغ القارئ، والوجودُ الخطيُّ هو ما في الرَّق والصحف.
فإذا قيل عن الحافظ للقرآن: في صدره كلام الله، فالمراد الوجودُ العلميُّ، وإذا قيل: في المصحف كلام الله، فالمراد الوجود الخطيُّ، وإذا قيل: هذا يتلو كلام الله، فباعتبار الوجود البيانيِّ، ويقال: الوجود اللسانيُّ أو اللفظيُّ، قال تعالى: (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ)، فالمسموع كلام الله بصوت القارئ، على حدِّ قول أهل السنة: الصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري.
ومما تقدم يعلم أنَّ مذهب الأشاعرة تضمَّن أمورا:
أولا: أنه تعالى لا يقوم به ما يكون بمشيئته؛ كالأفعال الاختيارية، وقد شاركهم في ذلك المعتزلة، وزادوا عليهم نفي الصفات الذاتية، وشاركهم الكُلَّابية، وهم شيوخ الأشاعرة، لكن الكُّلَّابية أثبتوا قيام الأفعال به تعالى، وجعلوها قديمة، أي: لا تتعلق بها المشيئة.
ثانيا: أن كلام الله معنًى نفسيٌّ قديمٌ، فلا تتعلق به المشيئة، وإمامهم في ذلك عبد الله بن كُلَّاب، الذي نهج الأشعريُّ نهجه، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية في العقيدة التدمرية، وشاركهم في القول بقدم الكلام مع إثبات الحرف والصوت السالمية، ويقال لهم: الاقترانية، أتباع عبد الله بن سالم، وكلام الله عند هؤلاء حروف وأصوات قديمة، نوعه وآحاده، ومضمون كلام هؤلاء ولازمه أن الله لم يزل قائلا: يا آدم، يا نوح، يا موسى، ونحو ذلك مما ثبت أن الله تكلم به، وفي ذلك من الإزراء بالله بنسبة النقص إليه ما لا يخفى؛ إذْ كيف يكلم في الأزل من لم يوجد، وهذا مع أنه مناقض لدلالات نصوص الكتاب والسنة التي فيها الخبر عن تكذيبه لبعض عباده، فهو مناقض لمقتضى العقل؛ فليس هذا من الكمال.
وهؤلاء كلهم ـ أعني القائلين أنه لا يقوم بالله تعالى ما يكون بمشيئته ـ شبهتُهم في ذلك قولهم: إنه تعالى منزَّه عن حلول الحوادث، أو لا تَحلُّه الحوادث، ونقول:
أولا: إن (حلول الحوادث) لفظٌ لم يرد نفيه ولا إثباته في كتاب ولا في سنة، فهو لفظ محدَث.
ثانيا: إنه لفظ مجمل يحتمل حقا وباطلا؛ فإن أريد أنه تعالى لا يحلُّ في ذاته شيء من مخلوقاته فهو حقٌّ؛ لأنه تعالى مباينٌ لخلقه، وإن أريد أنه لا تقوم به الأفعال الاختيارية التي تكون بمشيئته فهو باطلٌ؛ لأنه نفي لما أخبر الله به عن نفسه، وما أخبر به عنه نبيه صلى الله عليه وسلم مجمَلا ومفصَّلا كقوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، وقوله: (يَفْعَلُ مَا يَشَاء)، وقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)، وقوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا) الحديث. رواه الشيخان عن أبي هريرة، وقوله: (يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه) الحديث. متفق عليه عن أبي هريرة، وعند مسلم من حديث عبد الله بن عمر: (يأخذ الله عز وجل سماواته وأرضيه بيديه). وتَتُّبع الشواهد في ذلك يطول.
وبعد؛ فَوازِن ـ أيها العاقل المنصف ـ بين هذه المذاهب ومذهب أهل السنة والجماعة في أفعال الله وفي كلامه، فعند أهل السنة أن الله لم يزل فعالا لما يريد، وهو يفعل ما يشاء، ومن ذلك أنه لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء كيف شاء، ويُكلم من شاء بكلام يسمعه من يُكلمه الله سبحانه بلا واسطة، فأيُّ هذه المذاهب أدلُّ على الكمال؟! وأيُّها الذي تشهد له أدلة الشرع من الكتاب والسنة؟!
فما مضى عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم في أسماء الله وصفاته وكلامه هو الذي ندين لِله به، ونحن به موقنون، وبمقتضاه قائلون. وعلى ذلك فإننا ندعو الشيخ أحمد صالح الغُرسي أن يتدبر ما كتبناه، ونسأل الله أن يلهمه رشده، ويوفقه للصواب. وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أملاه: عبد الرحمن بن ناصر البراك في العشرين من ذي القعدة الحرام لعام 1438ه.

رجوع طباعة إرسال